جلال الدين السيوطي

550

الإتقان في علوم القرآن

يدعو إلى أمر والإعراب يمنع منه ، والمتمسّك به صحة المعنى ، ويؤوّل لصحة المعنى الإعراب . وذلك كقوله تعالى : إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) [ الطارق : 8 . 9 ] ، فالظرف الذي هو يَوْمَ يقتضي المعنى أنه يتعلّق بالمصدر وهو ( رجع ) أي : إنه على رجعه في ذلك اليوم لقادر . ولكن الإعراب يمنع منه ، لعدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله ، فيجعل العامل فيه فعلا مقدّرا دلّ عليه المصدر . وكذا : أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ [ غافر : 10 ] ، فالمعنى يقتضي تعلّق إِنَّ بالمقت . والإعراب يمنعه ، للفصل المذكور ، فيقدّر له فعل يدل عليه . الثاني : قد يقع في كلامهم : هذا تفسير معنى ، وهذا تفسير إعراب ، والفرق بينهما : أن تفسير الإعراب لا بدّ فيه من ملاحظة الصناعة النحوية ، وتفسير المعنى لا تضرّه مخالفة ذلك . الثالث : قال أبو عبيد في « فضائل القرآن » : حدّثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [ طه : 63 ] . وعن قوله تعالى : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ النساء : 162 ] . وعن قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [ المائدة : 69 ] . فقالت : يا ابن أخي ، هذا عمل الكتّاب ، أخطئوا في الكتاب . هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين « 1 » . وقال : حدّثنا حجاج ، عن هارون بن موسى ، أخبرني الزّبير بن الخرّيت ، عن عكرمة ، قال : لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان ، فوجد فيها حروفا من اللّحن ، فقال : لا تغيّروها ؛ فإنّ العرب ستغيّرها . أو قال : ستعربها . بألسنتها ، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف . أخرجه ابن الأنباري في كتاب « الرد على من خالف مصحف عثمان وابن أشتة في كتاب « المصاحف » « 2 » . ثم أخرج ابن الأنباري نحوه ، من طريق عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر « 3 » ، وابن أشتة نحوه ، من طريق يحيى بن يعمر « 4 » . وأخرج من طريق أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : أنه كان يقرأ : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ويقول : هو لحن من الكاتب « 5 » .

--> ( 1 ) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 287 ، وابن أبي داود في المصاحف ص 43 وسنده صحيح . ( 2 ) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 287 وابن أبي داود في المصاحف ص 42 . وسنده صحيح . ( 3 ) رواه ابن أبي داود في المصاحف ص 41 . ( 4 ) رواه ابن أبي داود في المصاحف ص 41 . ( 5 ) رواه ابن أبي داود في المصاحف ص 42 بأتم منه .